EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
المتجر الرابح في ثمار العمل الصالح

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله  حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله  الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله  كَانَ عَلَيْكُمْ رقِيباً}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله  وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله  وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذنا الله وإياكم والمسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس:

الصديق الملازم الأنيس في الدارين، الرفيق الذي لا ينفك عنك؛ موضوعنا في خطبة هذا اليوم.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ». عملُه الذي عملَه لله عز وجل مخلصًا فيه لربه، متأسيًا فيه بنبيه عليه الصلاة والسلام.

والله عز وجل إنما خلقنا للابتلاء والاختبار كما قال عز وجل: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وقال الله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.

العمل الصالح فضائله شهيرة وثماره كثيرة، ودلائله منتشرة في أدلة الكتاب والسنة:

فهو أساس الطمأنينة والسكينة في القلب، والحياة السعيدة الرغيدة في الدنيا وفي الآخرة. قال الله عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وقال الله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ}.

العمل الصالح فلاح العبد في الدنيا والآخرة؛ قال الله عز وجل: {وَالعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ}.

العمل الصالح سبب لدخولك في خير البرية؛ أهل النجاة، أهل السعادة، أهل الخير، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ}.

العمل الصالح ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه مثلاً عظيماً بالمسك؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ». أنت بالعمل الصالح مسك أذفر.

أنت بالعمل الصالح مِن أحباب الله عز وجل؛ يحفظك الله في دينك ومالك وأهلك وولدك. في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا».

بركة، توفيق، تسديد من الله عز وجل في الأقوال وفي الأفعال وفي الحركات وفي السكنات وفي المدخل وفي المخرج وفي الأوامر وفي النواهي. بركة وتسديد وتوفيق من الله عز وجل إذا اتقى الله، إذا أحبه الله عز وجل.

قال: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ» لأنه يحبه الله عز وجل «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي» وفي لفظ: «وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».

العمل الصالح سبب لإلقاء المحبة في قلوب العباد لك بإذن الله سبحانه وتعالى؛ قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا}؛ سيجعل لهم الرحمن وداً أي في قلوب الناس.

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ الله  إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله  يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ».

وأنت ترى أشخاصاً وضعَ الله لهم القبول في الأرض والمحبة في قلوب العباد، حتى من لا يعرفه يحبه لعمله الصالح؛ الخيِّر، الطيب، المبارك، الحسن؛ فإن الناس مجبولون على محبة الخير وأهل الخير.

العمل الصالح سبب للأرزاق والبركات والهبات وجزيل العطيات للأفراد والأسر والدول والجماعات جميعا؛ ما أقبلوا على الله جل وعلا أقبل الله عليهم وأعطاهم، فإنه الكريم الذي يعطي العباد ويرزقهم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَمَن يَتَّقِ الله  يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}، وقال الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا}.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

---------------

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد: أيها الناس:

العمل الصالح سبب لتفريج الكربات وفك الضائقات عن الفرد وعن الجماعة وعن الأمة؛ {وَمَن يَتَّقِ الله  يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

وفي الصحيح مثل عظيم جدير بطول التأمل من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر ثلاثة آواهم المبيت في سفر إلى غار بجبل، فلما دخلوا انطبقت عليهم صخرة، فقالوا: لا ينجيكم من هذا -أي الكرب- إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم. فالأول دعا الله ببره لوالديه، والثاني دعا الله بعفافه عن الحرام والوقوع في الفاحشة، والثالث دعا الله بأمانته وأداء الحقوق إلى مستحقيها؛ في كل مرة يقوم أحدهم يقول: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، حتى انفرجت الصخرة وخرجوا يمشون.

العمل الصالح -إخواني في الله- سبب لدخول الجنة؛ قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفَرْدَوْسِ نُزُلًا}. وفي الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}.

العمل الصالح بشرى لصاحبه في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد؛ {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}. قال المفسرون -ابن عباس وغيره، وذكر هذا التفسير الإمام البخاري في الصحيح-: تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت، ألا تخافوا أي مما تقدمون عليه فإنه خير لكم، ولا تحزنوا أي مما فاتكم في الدنيا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» وفي رواية لمسلم: «فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ».

وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةً قالتْ لأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ». فما يقدم عليه العبد الصالح خير والله عند الله عز وجل.

ونختم بما بدأنا به: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثنانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ» أهله يرجعون وينسونه، والمال يقسم، ويبقى معك العمل يؤنسك في قبرك، به تثقل موازينك، به يبيضّ وجهك، به تأخذ صحيفتك بيمينك، به تبشر بالجنات، به تؤهل إلى بلوغ الدرجات العلا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، به تنجو بإذن الله عز وجل.

وفي حديث البراء رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن العبد في قبره يأتيه عمله الصالح في صورة حسنة، يقول: من أنت؟ وجهك الذي يأتي بالخير! قال: «أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ» وإذا كان غير ذلك يأتيه في منظر قبيح فيقول: من أنت؟ وجهك الذي يأتي بالشر والسوء! قال: «أَنَا عَمَلُكَ القَبِيحُ».

تلاوتك للقرآن، برك لوالديك، إحسانك للجيران، عنايتك بالصلاة، بَذْلُك في وجوه البرّ، التسبيح والتكبير والتهليل وذكر الله عز وجل، حب الخير للمسلمين، التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، طلب العلم، صيام النافلة والفرض، الطواف بالبيت العتيق، سائر الأعمال الصالحات؛ أقبل عليها، اعضض عليها بالنواجذ، فوالله إنها المباركات الباقيات الصالحات النافعات.

نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم وعن جميع المسلمين والمسلمات كل شر وضير.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم أصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة. اللهم من أرادنا وبلادنا وخيراتنا وديننا بسوء فاجعل تدبيره تدميراً عليه، واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين.

والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.